|
المسيحية في سطور إن المسيحيّة تؤمن بشخصية الله. أي انها لا
تؤمن بأن هذا الإله الواحد مجرد قوة أو شيء ,بل هو شخص حي عاقل ,واجب الوجود بذاته
,له كل مقوّمات الشخصية ,في أكمل ما يمكن أن تشتمل عليه هذه المقومات من معانٍ. وإذا كان من المسلَّم به أن الشخصية تقوم
دوماً على ثلاثة أركان هي : الفكر والشعور والإرادة ,وأن الله هو الشخصية الوحيدة
الكاملة إذا قورن بغيره من شخصيات خلائقه ,لذلك كان لا بد أن نعرّف شخصية الله
بأنها الشخصية الوحيدة الفكر والشعور والإرادة إذ هو أول كل شيء الإله المدرِك
لذاته ,والمدرِك لكل شيء صنعه. وتؤمن المسيحيّة أن هذا الإله ,الشخص الحي الواحد
,ليس جسماً مادياً يمكن أن يُرى أو يُلمَس أو يُدرَك بالحواس البشرية ,فهو كما قال
المسيح روح وهو أيضاً أبو الأرواح - عبرانيين 12 :9 - إذ خلق هذه على صورته كشبهه. بيد أن المسيحيّة تؤمن بأن وحدانية الله
جامعة ,أي أن الله ذو ثلاثة أقانيم : الآب والابن والروح القدس ,وهؤلاء الثلاثة هم
إله واحد وجوهر واحد. ولا يعني المسيحيّون بتعدُّد الأقانيم أن الله ثلاثة جواهر
,لأن لفظ أقنوم لا يعني جوهر . فالمراد هنا بالجوهر الذات الواحدة ,أي انه الوحدة
اللاهوتية. والمراد بالأقنوم واحد من الآب والابن والروح القدس. ومع ذلك فكلمة
أقنوم - كسائر الألفاظ البشرية - قاصرة عن إيضاح حقيقة إلهية ,هي أن الله ثالوث في
الأقنومية ,وواحد في الجوهر. ومن المعروف أن تعليم وحدانية الله وامتياز الأقانيم
أحدها عن الآخر ومساواتها في الجوهر ,ونسبة أحدها للآخر لم يرد في الكتاب المقدس
جملة واحدة بالتصريح به ,بل في آيات متفرقة. غير أن جوهر هذه الأمور منصوص عليه من
أول الكتاب المقدس إلى آخره. ومن الأمور التي تثبت صحة هذا الاعتقاد وجوده في
الاعلانات المتتابعة وانجلاؤه بالتدريج هكذا : 1ففي سفر التكوين تلميحات إلى تعليم
الثالوث ,لا تُفهَم جلياً إلا بنور إعلانات بعدها ,كورود اسم الله في صيغة الجمع
إلوهيم كقوله : فِي الْبَدْءِ خَلَقَ إلوهيم
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ - تكوين 1 :1 - . قال إلوهيم : نَعْمَلُ الْإِنْسَانَ عَلَى
صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا - تكوين 1 :26 - . وَقَالَ الرَّبُّ الْإِله : هُوَذَا
الْإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا - تكوين 3 :22 - . هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ
لِسَانَهُمْ - تكوين 11 :7 - . 2في سفر التثنية تلميح إلى وجود الأقانيم
الثلاثة في ذات الله ,إذ يقول : إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ : الرَّبُّ إِلهنَا
رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ
نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَتِكَ - تثنية 6 :4،5 - . وجاءت لفظة إلهنا في هذه الآية بصيغة
الجمع ,مع العلم أن القصد منها بيان الوحدانية. 3وفي سفر إشعياء النبي نقرأ : ثُمَّ
سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ : مَنْ أُرْسِلُ ,وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟ -
إشعياء 6 :8 - . فهذه الآيات المجيدة تدل على أن الله واحد
في الجوهر ,مثلَّث الأقانيم. ومن الأفضل قبل أن ندرس هذه العقيدة أو نبحثها البحث
الكتابي المجرَّد ,أن نلمَّ بتاريخها في كنيسة المسيح ,وبالأفكار التي تناولتها
حتى انتهت إلى وضعها النهائي الدائم غير المتغيّر. كان المسيحيّون أيام الرسل وحتى أول القرن
الميلادي الثاني لا يفكرون في وضع صيغ معينة للعقائد المسيحيّة ,إذ كانوا يمارسون
مبادئ هذه العقائد كما جاءت في الكتب المقدسة دون أن يضعوا لها شكلاً معيناً. وحين
كانت تعترضهم صعوبة أو مشكلة كانوا يرجعون إلى الرسل أو تلاميذ الرسل من بعدهم.
ولكن ما أن انتشرت المسيحيّة في رحاب الدنيا ,وقامت بعض البدع حتى باتت الحاجة
ماسة إلى أن تقول الكنيسة كلمتها خصوصاً عندما انتشرت ضلالات أريوس وسباليوس
المخالفة للعقائد المسيحيّة فيما يختص بلاهوت الابن والروح القدس. فقام رجال أعلام
في الكنيسة وفنَّدوا آراء المبتدعين ,من أبرزهم القديس أثناسيوس الملقَّب بحامي
الإيمان ,الذي قاوم تلك البدع وأصدر القانون الأثناسي المعروف والذي يقول : 1 كل من ابتغى الخلاص ,وجب عليه قبل كل
شيء أن يتمسك بالإيمان الجامع العام للكنيسة المسيحيّة. وخلاصة ما تقدم أن الله في المسيحيّة واحد
,وإن كان اللاهوت ثلاثة أقانيم : الآب والابن والروح القدس ,أي جوهر واحد وثلاثة
أقانيم ,غير أن الجوهر غير مقسوم. فليس لكلٍ من الأقانيم جزء خاص منه ,بل لكل
أقنوم كمال الجوهر الواحد نظير الآخر. وأن ما بينهم من النسب سرّ لا يقدر العقل
البشري أن يدركه. غير أن لنا في الكتاب المقدس ما يوضحه. وكل ما جاء من خارج
الكتاب المقدس عن الثالوث من أفكار فلسفية ,أو محاجات منطقية ,لم يكن إلا بَسْطاً
أو عَرْضاً لما جاء في الكتاب المقدس عن طريق القياس. والمعروف تاريخياً أن
المسيحيين القدماء قاموا بدرس عقيدة الثالوث في ضوء كتب الوحي المقدسة ,وآمنوا بها
واستقروا عليها ,ورسموا صورتها في قوانين الكنيسة. وأبرز هذه القوانين قانون
الإيمان النيقاوي الذي يقول : أنا أؤمن بإله واحد ,قادر على كل شيء
,خالق السماء والأرض ,وكل ما يُرى وما لا يُرى.وبرب واحد ,يسوع المسيح. ابن الله
الوحيد. المولود من الآب قبل كل الدهور. إله من إله. نور من نور. إله حق من إله
حق. مولود غير مخلوق. ذو جوهر واحد مع الآب. هو الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا
نحن البشر ,ومن أجل خلاصنا ,نزل من السماء. وتجسَّد بالروح القدسمن مريم العذراء
,وصار إنساناً ,وصُلب على عهد بيلاطس البنطي ,وتألم. وقُبِر. وقام في اليوم
الثالث. وصعد إلى السماء. وهو جالس عن يمين الآب وسيأتي أيضاً بمجد ,ليدين الأحياء
والأموات. الذي ليس لمُلكه نهاية. وأؤمن بالروح القدس. الرب المحيي. المنبثق من
الآب. المسجود له والممجَّد مع الآب والابن. الذي تكلم بالأنبياء. وأعتقد بكنيسة
واحدة جامعة رسولية. وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. وأنتظر قيامة الموتى
وحياة الدهر الآتي آمين , |