الكارز الأعظم

شبت النيران في سفينة لم تكن بعيدة جداً عن الشاطئ وكان بالسفينة تاجر مجوهرات من كاليفورنيا ومعه حقيبة مليئة بالمجوهرات هي كل ثروته التي تقدر بملايين الدولارات وقد ربط الحقيبة حول صدره ليسبح بها إلي الشاطئ ولكن قبل أن يقفز للماء إذ بيد صغيرة تمتد إلي كتفه وعندما نظر خلفه رأي طفلة صغيرة تبكي في فزع شديد وقالت له: أرجوك أنقذني واحملني للشاطئ فأنا لا أعرف أن أعوم وبابا وماما اختفوا في النيران وعندها اشتعلت في قلب الرجل معركة لهيبها أعلي من النيران التي تحرق السفينة فيجب عليه في لحظات أن يقرر ويختار إما أن ينقذ ثروته في حقيبة المجوهرات وإما أن يضحي بها لإنقاذ الطفلة وسريعاً اختار إنقاذ الطفلة فالقي بالحقيبة في مياه المحيط وحمل الطفلة علي ظهره وعندما وصل إلي الشاطئ بسلام كان فقد الوعي  من الإعياء ولكنه أستيقظ علي ابتسامة الطفلة التي أنقذها وهي تمسح المياه من علي وجهه وشعره وعاش هذا الرجل طوال عمره وهو فخور بما فعل وقال أنه لم يندم لحظه علي ما عمل وعلي فقده لكل مجوهراته بل إنه كان سيظل نادم طوال عمره إن عمل العكس وظل دائماً يقول بفخر أن هذه الطفلة التي أنقذها وتبناها أغلى عنده من كل العالم وكنوزه وليس فقط من حقيبة المجوهرات التي ضحي بها لإنقاذها .

صديقي القارئ المسيحي صديقتي القارئة المسيحية: أكيد أنك تشعر بالأعجاب والفخر بتاجر المجوهرات الذي ضحي بكل ثروته لأنقاذ هذه الطفلة ولكنني أكثر فخراً وإعجاباً بذلك المنقذ العجيب الذي كُتب عنه : يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِيناً بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ (عبرانين12: 2) الذي قال عن نفسه : ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ (لوقا19: 10) وذكر لنا هذا المثل : أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً تَاجِراً يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا (متى13: 45و46) لقد ضحى تاجر المجوهرات بكل مجوهراته لينقذ الطفلة أما الرب يسوع المسيح رابح النفوس الأعظم فقد حسبنا نحن الكنز واللؤلؤة الغالية فمَضَى حتى الصليب وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَانا.

صديقي القارئ العزيز صديقتي القارئة العزيزة : هل سمعت عن مستر إيستيمان خادم الإنجيل في الجيش الأمريكي الذي أصيب إصابة بالغة أثناء معركة جتنبرج في أمريكا وسقط من علي فرسه وأضطر أن ينطرح علي ظهره في الميدان طوال الليل وبينما هو هكذا في آلامه وجراحه سمع صوت في الظلام يقول يا إلهي أني في شقائي أذهب إلي الجحيم فقال أيستيمان: كيف يمكنني أن أصل إليه؟ و إذ لم يمكنه أن يمشي بدأ يزحف و يتدحرج علي الدماء وفي وسط الأجساد الميتة إلي أن وصل للرجل المشرف علي الموت وبشره بخلاص المسيح الكامل الذي عمله بموته علي الصليب فسلم الرجل الجريح حياته للمسيح وتمتع بسلام الله ورقد ليتقابل مع الرب يسوع في السماء ولما أنتهي إيستيمان من هذه الخدمة طلبوه ليتحدث عن الرب يسوع بالإنجيل إلي ضابط كان يلفظ أنفاسه الأخيرة فحمله جنديان و أوصلاه للضابط فبشره وربحه للمسيح وهكذا أخذوا ينقلونه طوال الليل من رجل يموت إلي آخر ليبشرهم ويربحهم للمسيح لقد كان مضطرا أن يعمل ذلك حبا لله وغيرة علي النفوس رغم جراحه و الآلام الرهيبة التي يعاني منها وهو مضطجع علي ظهره .

أن مستر إيستمان هذا هو صوره باهتة لرابح النفوس العظيم الذي كُتب عنه : يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ والْقُوَّةِ الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْراً وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ..الَّذِي أَيْضاً قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ (أعمال10: 38و39)

وهذا البعض القليل مما يميز حياة وخدمة هذا الكارز الأعظم العجيب:

أولاً-رقته وحنانه : ما أرقه فعلاً فهو لم يجرح مشاعر إنسان طوال خدمته الكرازية أنظر كلماته مع السامرية فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَعْطِينِي لأَشْرَبَ» قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «حَسَناً قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ .. هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ».(يوحنا4: 7و17و18) حتى مع التي أُمسكت في ذات الفعل:وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ.. وََقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!» ثُمَّ انْحَنَى أَيْضاً إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. ..فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَداً سِوَى الْمَرْأَةِ قَالَ لَهَا: ..أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟» فَقَالَتْ: «لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ». فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً».(يو8: 7-11) لقد ذكر عنه كثيراً أنه تحنن , لقد تحنن فأزال انزعاجهم (مت9: 36) وشفى مرضاهم (مت14: 14) واشبع جوعاهم (مت14: 20) وفتح أعينهم (مت20: 34) وشفى برصهم (مرقس1: 41) وعلم جهلاهم (مرقس6: 34) وأقام موتاهم (لو7: 13) وضمد جراحاتهم (لوقا10: 33) ورد ضلالهم (لوقا15: 20)

ثانيا لمساته :لم يكن الرب يسوع يقدم تعاليمه وكرازته من برج عالي منفصل عن الجموع بل كان يتلامس مع الجموع قلبياً وحرفياً ولسيما مع المنبوذين والمكروهين مثل الأبرص (مر1: 41) والأعميان في كفرناحوم (مت9: 29) وفي أريحا (مت20: 34) وفي بيت صيدا (مر8: 23-25) والأصم الأعقد (مر7: 33) بل والميت في نايين (لو7: 14و15) حتى أذن ملخس الذي جاء للقبض عليه لمسها (لو22: 15) ولقد سمح للآخرين بكل الحب أن يلمسوه , وَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ الْمَرْضَى وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسُوا هُدْبَ ثَوْبِهِ فَقَطْ. فَجَمِيعُ الَّذِينَ لَمَسُوهُ نَالُوا الشِّفَاءَ.(مت14: 36) ونازفة الدم (مر5: 27) والمرأة الخاطئة (لو7: 39) ما أحلاه لقد قال عن نفسه : َتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ (متى11: 29)

ثالثاً دموعه : سأل الجنرال وليم بوث مؤسس جيش الخلاص أحد المؤمنين الشيوخ الأتقياء : لا أدري ماذا أفعل لهذا المكان لقد جربت الوعظ والصلاة والترنيم ولا يزال الناس قساة جدا فماذا أفعل ؟فأجابه الشيخ :جرب الدموع ويوجد مثل الرب يسوع الكارز الأعظم الذي ينطبق عليه المكتوب:الذَّاهِبُ ذِهَاباً بِالْبُكَاءِ حَامِلاً مِبْذَرَ الزَّرْعِ مَجِيئاً يَجِيءُ بِالتَّرَنُّمِ حَامِلاً حُزَمَهُ (مزمور126: 6) انظره وهو يبكي على أورشليم : نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا (لوقا19: 41) وهو يبكي عند قبر لعازر: بَكَى يَسُوعُ (يوحنا11: 35) وكُتب عنه: الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ (عبرانين5: 7)

رابعا غيرته وتعبه: سأل أحد خدام الرب المبشر الشهير جون وسلي: لماذا تحتشد الجماهير بالآلاف لتصغي إلي وعظك؟ فأجاب وسلي :أني أحب الرب يسوع جداً و نيران حبه تشتعل في داخلي و أظن أنه من الطبيعي أن الناس تقف لتتأمل الحريق و بينما هي هكذا أقدم لهم أهم وأحلي وأعظم بشارة , بشارة الإنجيل أما الرب يسوع رب ومخلص وسلي , فهو المكتوب عنه : «غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي» (يوحنا2: 17) الذي قال: «جِئْتُ لأُلْقِيَ نَاراً عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ (لوقا12: 49و50) يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ(يوحنا9: 5) إنها غَيْرَةَ اللهِ (2كورنثوس11: 2)مكتوب عنه : فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ جَلَسَ هَكَذَا عَلَى الْبِئْرِ (يوحنا4: 6)  وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِماً (مر4: 38) وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ (مرقس6: 31) أنظر (يوحنا4: 30-34)

خامسا مثابرته :قال عن نفسه : وَيَذْهَبَ لأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ (لو15: 4) انظر مثابرته مع مريض بيت حسدا :بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدَهُ يَسُوعُ فِي الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: «هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فلاَ تُخْطِئْ أَيْضاً لِئَلَّا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ» (يوحنا 5: 14) ومع المولود أعمى : فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجاً فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ الله» (يوحنا9: 35) ومع شاول الطرسوسي أذ ارسل له حنانيا (أعمال9: 15)

سادساً أولاوياته : كان مجد الله وطاعته هو هدفه (يوحنا5: 43و44و7: 18)وكان الإنسان هو أولوياته كم يأسرني حبه عندما كان يصنع الكثير من معجزات شفائه وخدماته الكرازية يوم السبت وكما قال : ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: «ﭐلسَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ. إِذاً ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً».(مرقس2: 27و28) فلو علمتم ما هو.اني اريد رحمة لا ذبيحة( متى12: 7)

سابعا تضحيته :سمعنا عن كارزين ماتوا كجيمس تشارلمرز الذي ذبحوه وطبخوه وأكلوه مع نبات الساجو في بابانيوغينيا ولكن يظل الكارز الأعظم هو المثال الأعظم للتضحية فهو الذي قال عن نفسه : إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ (يوحنا 12: 24)

صديقي القارئ العزيز صديقتي القارئة العزيزة: هل نقترب أكثر من هذا الكارز العظيم لنتعلم منه ونعيش كما عاش

 

   

عودة