يُصلي إلى الله فيرضى عنه

كان المبشر الشهير (جون كوج) في زيارة لإحدى العائلات في مدينة بولاية من الولايات المتحدة الأمريكية الشرقية، حيث طلبت منه ربة بيت بلجاجة أن يتحدث إلى ابنها (إدوارد) لأنه شاب خاطئ ضّل الطريق وعاش في طريق اشباع الشهوات والرذيلة والخمور والقمار، مما أدى إلى طرد أبيه له من المنزل، ولكن تدخل الأم بحنانها جعل الأب يتراجع عن طرده له ويسمح لإدوارد باستعمال حجرة منفردة في المنزل. ولكن الأب لم ير وجه ابنه منذ فترة طويلة بسبب انغماس الابن في الشرور.

وأكملت الأم حديثها، وهي تمسح دموع انحبست في مقلتيها، وقالت: إدوارد دخل حجرته منذ يومين، ولم يخرج منها، وأنا أحاول أن أقدم له الطعام وأهتم باحتياجاته ولكنه في حالة رديئة وتعيسة جداً، فأرجوك يا مستر كوج أن تدخل إليه وتحدثه عن الله ومحبته.

أجابها جون كوج: ولكن كيف أنجح في ذلك؟ فبالتأكيد أنكِ حاولتِ معه وفشلتِ، رغم كل محبتك له وعواطف الأمومة الصادقة نحوه.

أجابته الأم: إني أصلي لأجله وأثق في قوة الإنجيل. فمن فضلك تحدّث إليه.

قرع جون كوج باب الحجرة، ولما فتح له إدوارد جلس جواره وتحدث إليه الخادم بكل لطف: يا إدوارد حتى متى؟ ألم تتعب من العالم وشروره؟ لماذا لا تتوب وتترك آثامك الآن؟

أجابه إدوارد بعد صما أثقل من الجبال: ماذا؟ أترك آثامي! كيف؟ كيف وأنا مُقيد اليدين والرجلين والقلب والعينين؟ .. أنا مربوط بالكامل بسلاسل العادات الذميمة والشرور الفجور والخمور، سلاسل أطول من الزمن وأقسى من الفولاذ.

أجابه جون كوج: بالصواب أجبت يا صديقي، أنت لا تستطيع أن تحرر نفسك. لكن هل تؤمن أن الله يستطيع أن يحررك إن صليت له؟

أجابه إدوارد: أصلي! أنا لا أؤمن بالصلاة، ولا أومن بالله، بل أنا لا أومن بأي شيء في هذا الكون الذي أجهل الكثير من أسراره.

فقال كوج لإدوارد: ألا يوجد أي شيء في الوجود تؤمن به؟

أجابه إدوارد: أنا لا أومن بأي شيء.

رد الخادم: ولا حتى بمحبة أمك لك؟ ألا تؤمن بها؟

تأثر إدوارد جداً، وقال لجون كوج: هذا هو الاستثناء الوحيد. فأنا أومن بمحبة أمي لي، فهذه المحبة هي الشيء الوحيد الباقي لي في الحياة، ولولاها لكنت قد انتحرت منذ شهور طويلة.

فرّد المبشر: إذاً صلي للمحبة .. محبة أُمك لك باعتبارها الشيء الوحيد الذي تؤمن به. صلي إلى المحبة أن تحررك وتغيرك. ها أنا أتركك على أن تعدني أن تفعل ذلك. هل تعدني يا إدوارد؟

أجابه إدوارد: نعم أعدك.

وما إنم ترك كوج إدوارد في الحجرة بمفرده حتى جثا على ركبتيه ليصلي، ولكنه شعر أنه من الحماقة أن يصلي إلى المحبة فتردد. ثم تذّكر أنه وعد الخادم بذلك، وعليه أن يفي بوعده، فقال: أيتها المحبة التي تملأ قلب أمي من نحوي .. ساعديني أيتها المحبة .. أريد أن أتحرر من قيودي أيتها المحبة العظيمة.

وفي الحال شعر إدوارد بشعور مُباغت قوي تملّكه، وكأن السماء انشقت من فوقه، ورن صوت هزّ كل أركان قلبه وكيانه ومشاعره، رنّت في داخله الآية العظيمة التي تعلّمها وهو طفل صغير (الله محبة) .. (الله محبة) (1 يوحنا 8:14-16)، فاستمر إدوارد يصلي قائلاً: «يا الله المحبة .. يا الله .. يا مصدر المحبة في قلب أمي .. حررني .. غّير قلبي .. هبني قلباً جديداً»

وعندها، ومرة ثانية، رنّ الصوت الداخلي في أعماقه، ليُذكره بالآية الأخرى التي كانت أمه علّمتها له «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 16:3)، فواصل إدوارد صلاته: يا الله المحبة .. أنت لست فقط مصدر المحبة التي في قلب أمي لي، ولكنك تُحبني أكثر جداً من محبة أمي لي .. أنت بذلت ابنك الوحيد على الصليب حتى لا أهلك .. أنا أومن بك وبالرب يسوع وبما عمله على الصليب لأجلي. حررني الآن وامتلك حياتي.

وعندها تمتع إدوارد بسلام عجيب، اختبره لأول مرة في حياته، وكان حملاً ثقيلاً وقع عن كاهله، فخرج من الحجرة متهللاً، وكانت السعادة ظاهرة على وجهه إذ صار إنساناً جديداً، وتمتع طوال حياته بالآية: «إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً» ((يوحنا 36:8)، وبما قاله أليهو قديماً «يُصلي إلى الله فيرضى عنه» (أيوب 26:33).

صديقي القارئ .. صديقتي القارئة .. ربما يكون لك أب أو أم، أخ أو أخت، زوج أو زوجه، صديق أو قريب أو جار يُصلي لأجلك بلجاجة لكي تتمتع بالسلام الإلهي وبرضا الله عنك، بل ربما أسمعك تقول لي: «بالرغم من أنني لست مثل إدوارد .. فأنا أومن بالله وأومن بالصلاة والكتاب المقدس وأومن بالمسيح والصليب، وكثيراً ما صليت إلى الله، لكني لا أشعر بهذا السلام الإلهي، ولا أعرف إن كان الله راضٍ عني أم لا؟ وما زلت رغم إيماني بكل هذا أعيش في الخطية، فهل العيب فيّ أم في صلاتي؟». أقول لك أن أول صلاة تُصليها فيستجيبها الله لك، هي صلاة التوبة الحقيقية من القلب نظير العشّار الذي صلى قائلاً: «اللهم ارحمني، أنا الخاطئ» (لوقا13:18)، فتمتع بما قاله الرب يسوع عن هذا العشّار «أقول لكم: إن هذا نزل إلى بيته مُبرراً» (لوقا 14:18). فقبل أن يقول أليهو لأيوب عن الإنسان «يُصلي إلى الله فيرضى عنه» (أيوب 26:33)، قال «إن وُجد عنده (عند الله) مُرسل، وسيط واحد من ألف (الرب يسوع المُرسل والوسيط) ليعلن للإنسان استقامته، يتراءف عليه ويقول: أطلقه عن العبور إلى الحُفرة، قد وجدتُ فدية (في عمل المسيح على الصليب). يصير لحمه أغض من لحم الصبي (يُولد من جديد)، ويعود إلى أيام شبابه (يحصل على القوة الروحية). يُصلي إلى الله فيرضى عنه، ويعاين وجهه بهُتاف، فيرد على الإنسان بره. يُغني بين الناس فيقول قد أخطأت، وعوجت المستقيم، ولم أُجاز عليه. فدى نفسي من العبور إلى الحُفرة، فترى حياتي النور» (أيوب 23:33-28).

فالإنسان الطبيعي الذي لم يُولد من الله ولادة جديدة، ولم يتمتع بفداء المسيح له، مهما كانت أخلاقه عالية ودرجة تهذيبه سامية، لن يتمتع برضا الله عنه، وينطبق عليه المكتوب «ذبيحة الأشرار مكرهة الرب، وصلاة المستقيمين مرضاته» (أمثال 8:15). كما يقول الرب «فحين تبسطون أيديكم أستُر عيني عنكم، وإن كثّرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دماً. اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني. كُفوا عن فعل الشر .. هلم نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج. إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف» (إشعياء 15:1-18).. فإن قدّم إليك إنسان تفاحة شهية ولكن لاحظت أن يده قذرة وبها أمراض ودمامل وقروح، فهل تقبلها منه؟ بالطبع كلا. فالعيب ليس في التفاحة، بل في اليد التي تقدمها. هكذا لن يقبل الله صلاتي إلا بعد أن أتطهر بالدم «دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية» (1 يوحنا 7:1). وبعدها يقبل الله صلواتي .. «يصلي إلى الله فيرضى عنه».

صديقي .. صديقتي، ربما تكون نظير أم إدوارد، لك إنسان عزيز عليك، وهو إلى الآن لم يتقابل مع الله ولم يصر في المسيح خليقة جديدة (2 كورنثوس 17:5)، وأنت كثير ما صليت لأجله؛ أدعوك الآن أن تواصل الصلاة لأجله بإيمان ولجاجة، وثق أن الله سيستجيب لك كما قيل لأم القديس أغسطينوس قديماً وهي تُصلي لأجله، إذ كان شريراً بعيداً عن الله، قيل لها: «ابن الدموع لن يهلك أبداً». وكما اختبرت ذلك أم هدسون تيلور، رائد المرسلين للصين في العصر الحديث، إذ تقابل مع الرب واختبر خلاصه وهو في حجرة مكتبة أبيه في عام 1849 بعد أن قرأ نبذة بعنوان «عمل المسيح الكامل»، كانت تتحدث عما قاله المسيح على الصليب «قد أكمل» (يوحنا 30:19). وكانت أم هدسون تيلور في زيارة لبعض أقاربها، فلما عادت بعد عشرة أيام من تمتع ابنها بالخلاص والفداء، قابلها هدسون عند الباب وقال لها «ماما .. عندي أخبار مُفرحة لكِ» فأجابته: «أعرفها يا بني، ولقد امتلأت بالفرح طوال الأسبوعين الماضيين. مبروك عليك المسيح وغفرانه يا هدسون». فسألها ابنها في تعجب: «ولكن كيف عرفتِ هذا وأنا لم أخبر أحداً بما حدث لي». قالت له أمه: «منذ أسبوعين تركت طعام الغذاء وقلبي مُشتاق إلى خلاصك وذهبت حتى خارت قواي، وبعدها أجابني الرب وأعطاني سلاماً تُجاهك، وفي نفس اليوم شكرت الله من أجل الثقة التي أعطاني إياها الرب بأن صلاتي قد استُجيبت». وكان كلام أمه عن تأكدها لاستجابة الصلاة في المخدع تأثير عظيم في تشجيع إيمان هدسون تيلور طوال سني خدمته الشاقة في الصين. هذا يُذكرني بما قيل: «إن المعركة الروحية تُحسم في المخدع قبل ما تُحسم على أرض الواقع». فلنصلِ لأجل أحبائنا ومن لنا، ولنتشجع بما قاله الله لحبقوق قديماً «إن توانت فانتظرها، لأنها ستأتي إتياناً ولا تتأخر» (حبقوق 3:2).

عودة